ابن عربي
79
فصوص الحكم
ولكننا قد ذكرنا مراراً أن « عملية الخلق » لامكان لها ولا معنى في مذهب يقول بوحدة الوجود ، وبيَّنَّا في مناسبات كثيرة أن ابن عربي لا يفهم من خلق الله للأشياء أكثر من أنه يمنح الوجود الخارجي للأعيان التي لها وجود بالعمل في العالم المعقول - أو بعبارة أخرى - إن الدور الذي يقوم به الخالق في الخلق هو أن يجعل ما هو موجود بالقوة موجوداً بالفعل ولكن في ذاته . أما الخلق بمعنى الإيجاد من العدم فأمر غير معقول وغير ممكن في نظره . يقول : يا خالق الأشياء في نفسه * أنت لما تخلقه جامع تخلق ما لا ينتهي كونه * فيك فأنت الضيق الواسع إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لخلق الله الأشياء ، فما معنى نسبة قوة خالقه إلى العارف أو إلى أي إنسان ؟ إن أداة الخلق عند العارف هي « الهمة » وهي قوة غريبة لا نعرف بالضبط ماهيتها يُسَلطها العارف على أي شيء يريد أن يحدث به أثراً فيحدث ذلك الأثر ، أو أي شيء يريد وجوده فيحدث ذلك الوجود . ويقول في فتوحاته ( ج 1 ص 77 ) إنها معروفة عند المتكلمين باسم « الإخلاص » ، وعند الصوفية باسم « الحضور » ، وعند العارفين باسم « الهمة » ولكنه يفضّل أن يسميها « بالعناية الإلهية » . ولكن هذه لقوة لا يمكن أن يفهمها أو يدرك عملها إلا الذين منحوها وجربوها مهما كانت الأسماء التي نسميها بها . وهؤلاء الذين من الله عليهم بها قليلون . ويبدو لي أننا نستطيع أن نفهم قوة الخلق عند الصوفي على وجهين : الوجه الأول : أن الصوفي في الحال الخاصة التي يسمونها حال « الفناء » يستطيع أن يخلق ، أو يحدث أي أثر في العالم الخارجي يريد إحداثه ، بمعنى أن الله يخلق على يديه ذلك الأثر المطلوب . فالفعل فعل الحق ، ولكن بوساطة العارف الذي فني عن صفاته البشرية وبقي بصفاته الإلهية وتحقق بها . وليس للعارف - على هذه النظرية - سوى الوساطة في إظهار قوة الخلق عند الله .